طباعة ونشرمقالات

تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد:

فإن تعليم اللغة العربية – وخاصة للناطقين بغيرها – يعتبر عملا جليلا وباباً عظيما من أعظم أبواب الخير والدعوة إلى الله تعالى؛ لأن اللغة العربية هي لغة القرآن والسنة، وبها يؤدي المسلم عباداته ويفهم كتاب ربه وسنة نبيه، وبها يستوعب أحكام الشريعة ومسائل الدين.

ولا غرابة في ذلك فاللغة العربية هي إحدى أكثر لغات العالم استعمالاً، وهي اللغة الأولى لأكثر من (290) مليون عربي، واللغة الرسمية في (18) دولة عربية، كما يُجيدها أو يُلِمُّ بها نحو (200) مليون مُسْلم من غير العرب إلى جانب لغاتهم أو لهجاتهم الأصلية. ويُقبِل على تعلُّمها كثيرون آخرون من أنحاء العالم لأسباب تتعلَّق بالدين أو بالتجارة أو العمل أو الثقافة أو غير ذلك.

والعربية هي اللغة السَّامية الوحيدة التي قُدِّر لها أن تحافظ على كيانها وأن تصبح عالمية. وما كان ليتحقَّق لها ذلك لولا نزول القرآن الكريم بها؛ إذْ لا يمكن فَهْم ذلك الكتاب المبين الفَهْم الصحيح والدقيق وتذوُّق إعجازه اللغويّ إلا بقراءته بلغته العربية. كما أن التُّراث الغني من العلوم الإسلامية مكتوب بتلك اللغة. ومن هنا كان تعلُّم العربية مَطْمَحًا لكلِّ المسلمين الذين يبلغ عددهم نحو مليار مُسلم في شتَّى أنحاء العالم.

وفي هذا البحث الموجز نلقي الضوء على تعليم اللغة العربية من خلال النقاط التالية:

أولا: أهمية تعليم اللغة العربية.

ثانيا: طرق تعليم اللغة العربية.

ثالثا: أمور مهمة في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.

أولا: أهمية تعليم اللغة العربية

مع دخول الأمم في الإسلام أفواجًا، ومع انتشار الفتوحات الإسلامية، زادت الرغبة في فهم القرآن الكريم وتعاليم الإسلام الحنيف، مما كان له دورٌ بارز في إقبال الناس على تعلم اللغة العربية، حتى يقوموا بالشعائر والعبادات على الوجه الصحيح الذي تقضيه الشريعة، يدفعهم إلى هذا السعي إلى إقامة دين الله، ونيل مرضاته.

وهذا ما عبر عنه أبو منصورٍ الثعالبي قائلاً: “من أحب الله تعالى أحب رسوله محمدًا – صلى الله عليه وسلم – ومن أحب الرسول العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العرب والعجم، ومن أحب العربية عني بها، وثابر عليها، وصرف همته إليها، ومن هداه الله للإسلام، وشرح صدره للإيمان، وآتاه حسن سريرة فيه، اعتقد أن محمدًا – صلى الله عليه وسلم – خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة؛ إذ هي أداة العلم، ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد”([1]).

ورغم ذلك؛ فإنه لم تكن الرغبة الدينية هي الحافز الوحيد، أو الدافع الفريد لتعلم اللغة العربية، وإن كانت سببًا رئيسيًا، إلا أن الدوافع الدنيوية كان لها عظيم الأثر أيضًا في الإقبال على اللغة العربية تعلمًا وتعليمًا، فلما كانت العرب أمة فاتحة، ولها السيادة والعزة على سائر الأمم المغلوبة؛ كانت لغتهم العربية ذات شأنٍ وعلوٍ يطمح إليها جمهور الناس؛ ليتصلوا بالخلفاء والأمراء، وقد رأوا “هؤلاء الخلفاء وعمالهم يجزلون العطاء لمن يجود شعرًا أو نثرًا، ويقربونهم إليهم ويولونهم مناصب في الدولة، كل ذلك له أثر أي أثرٍ في إقبال الناس على اللغة، حتى إن الرجل ليدفع بابنه إلى تعلمها رجاء أن يجني ثمرة، أو يحرز جاهًا”، قال ابن شبرمة: “إذا سرك أن تعظم في عين من كنت بعينه صغيرًا، ويصغر في عينك من كان في عينك عظيمًا فتعلم العربية؛ فإنها تجريك على المنطق، وتدنيك من السلطان”([2]).

ولقد اعتنى علماؤنا القدامى منذ اللحظات الأولى بضرورة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها من المسلمين الجدد، أو من المستعربين الجدد، وعدوا ذلك من تبليغ الرسالة، وأداء الأمانة، وفرائض الدين، وهو ما صرح به ابن تيمية في “اقتضاء الصراط المستقيم” حين قال: “فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرضٌ واجب؛ فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”([3]).

ومن عناية الصحابة بتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ما صرح به أبو عثمان النهدي: “بأن كتاب عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أتاهم وهم بأذربيجان يأمرهم بأشياء، وذكر فيه: تعلموا العربية”([4]).

كما جاء عن عمر بن زيدٍ: أن عمر بن الخطاب – أيضًا – كتب إلى أبي موسى – رضي الله عنه -: “أما بعد: فتفقهوا في السنة، وتفقهوا في اللغة، وأعربوا القرآن؛ فإنه عربي”، وفي حديثٍ آخر عن عمر – رضي الله عنه – أنه قال: “تعلموا العربية؛ فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض؛ فإنها من دينكم”([5]).

ثانيا: طرق تعليم اللغة العربية

إن طرق تعليم اللغات – بما فيها اللغة العربية – كثيرة ومتعددة، بعضها قديم وبعضها حديث. وستتناول السطور التالية أشيع هذه الطرق استخداما في مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها وهي: طريقة النحو والترجمة، والطريقة المباشرة، والطريقة السمعية الشفوية، والطريقة الانتقائية، مبينا الملامح العامة لكل منها، ومزاياها، وجوانب القصور فيها.

أ‌. طريقة النحو والترجمة:

هذه الطريقة تعد أقدم طرق تدريس اللغات الأجنبية حيث يرجع تاريخها إلى القرون الماضية. وهي حقيقة لا تنبني على فكرة لغوية أو تربوية معينة، كما أنها لا تستند إلى نظرية معينة، وإنما ترجع جذورها إلى تعليم اللغة اللاتينية واليونانية الذى كان يتمحور حول تعليم القواعد اللغوية والترجمة. وقد صَنَّفَ العلماء هذه الطريقة ضمن طرق المدارس القديمة لتعليم اللغات الأجنبية التي لا تزال سائدة الاستخدام حتى الآن في مناطق مختلفة من العالم، رغم قدمها وفشل أساليبها. ومن أهم ملامح هذه الطريقة:

أ‌. الغرض من تعلم اللغة الأجنبية هو قراءة النصوص الأدبية والاستفادة منها في التدريب العقلي وتنمية الملكات الذهنية.

ب‌. النحو والترجمة وسيلة لتعلم اللغة، وذلك يتم من خلال التحليل المفصل للقواعد النحوية وتطبيقها في ترجمة الجمل من وإلى اللغة الهدف. وتعلم اللغة إذن لا يربو على عملية استظهار للقواعد النحوية والحقائق.

ت‌. القراءة والكتابة نقطة تركيز هذه الطريقة، ولا تهتم اهتماما منهجيا بالكلام والاستماع.

ث‌. يتم اختيار المفردات وفقًا لنصوص القراءة المستخدمة، وتقدم من خلال قوائم المفردات ثنائية اللغة، والمعجم، والاستظهار.

ج‌. تعليم النحو بأسلوب استقرائي، ويتم من خلال عرض وتحليل القواعد النحوية ثم تطبيقها بعد ذلك من خلال تدريبات الترجمة.

ح‌. كانت لغة الأم للدارس هي وسيلة التعليم، وكانت تستخدم في شرح النقاط الجديدة ومقارنة بين لغة الدارس واللغة الهدف.

خ‌. العلاقة بين المعلم والطلاب علاقة تقليدية، حيث يسيطر المعلم على الفصل ولا يكون للطلاب إلا أن يفعلوا ما يطلب منهم، وأن يتعلموا ما يعرفه ويقدمه المعلم.

ومن مزايا هذه الطريقة هي:

1. إنها مناسبة للأعداد الكبيرة من الطلاب إذ إن المعلم يستطيع أن يتعامل مع أي عدد يتسع له الفصل. ذلك لأنه ليس على الطالب إلا أن يحضر كتابا يدرس منه، وكراسة يكتب فيها، ويتابع ما يقوله المعلم.

2. إنها تستخدم الجملة كعنصر أساسي في تعليم اللغة وممارستها، مما يجعل عملية تعلم اللغة أيسر.

ومع ما تتمتع به من مزايا إلا أن هذه الطريقة تواجه عدة انتقادات، من بينها ما يلي:

1. اهتمام هذه الطريقة بمهارتي القراءة والكتابة يغفل كثيرا من المهارات اللغوية الأخرى على رأسها مهارة الكلام التي تعد مهارة رئيسية ينبغي عدم إهمالها في تعليم اللغات الأجنبية.

2. استخدامها اللغة الأم في عملية التعليم يجعل اللغة الهدف قليلة الاستعمال والممارسة في درس اللغة، الأمر الذى يمنع الطلاب من إتقانها شفويًا بصورة مرضية.

3. اهتمامها بتحليل القواعد النحوية وتزويد الطلاب بها يجعلها تهتم بتعليم عن اللغة وليس بتعليم اللغة. لأن تحليل القواعد النحوية يدخل ضمن دراسة علمية للغة وليس ضمن تعليمها كمهارة.

ب‌. الطريقة المباشرة:

ظهرت الطريقة المباشرة ردًّا على طريق القواعد والترجمة التي كانت لا تنبني على أية نظرة علمية للغة والتي تفتقر إلى أساس منهجي في أساليبها. وتسمى هذه الطريقة أحيانًا بالطريقة الطبيعية إذ إن جذورها التاريخية ترجع إلى المبادئ الطبيعية لتعليم اللغة، وهي المبادئ التي تقول إن اللغة الأجنبية يمكن تعلمها بأسلوب طبيعي يتعلم به الطفل لغته الأم. ومن ثم فتعليم اللغة الأجنبية لا يتم بالضرورة من خلال الترجمة، إذ إن تعليم معانى كلماتها يمكن أن يتم من خلال التمثيل والحركة والصور واستخدامها بصورة عفوية في حجرة الدراسة. ومن أهم ملامح الطريقة المباشرة:

أ‌. يتم التعليم في حجرة الدراسة كله باللغة الهدف.

ب‌. لا تُعلم من المفردات والجمل إلا التي تستخدم في الحياة اليومية.

ت‌. تقديم المهارات الشفوية الاتصالية تقديمًا متسلسلا ومتدرجًا تدور حول تبادلات السؤال والجواب بين المعلمين والدارسين، في صفوف صغيرة ودروس مكثفة.

ث‌. تعليم النحو بأسلوب استقرائي.

ج‌. تقديم النقاط الدراسية الجديدة شفويًا.

ح‌. تعليم الكلمات المحسوسة عن طريق التمثيل والمدلولات والصور، أما الكلمات المجردة فيتم تعليمها عن طريق ترابط الأفكار.

خ‌. تعليم كل من مهارتي الكلام والاستماع.

د‌. التركيز على صحة النطق والقواعد النحوية.

ذ‌. العلاقة بين المعلم والمتعلم علاقة تبادلية. المعلم يدير الفصل ولكن التعامل بينه وبين المتعلمين ثنائي الطرف إذ إنه قد يجري من المعلم إلى المتعلمين وقد يجرى عكس ذلك.

أما مزايا هذه الطريقة فيمكن تلخيصها فيما يلي:

أ‌. إنَّها أول محاولة في تعليم اللغات الأجنبية تركز على الاستخدام الفعلي للغة بدلا من مجرد النصوص الجامدة في الكتاب، وذلك من خلال تقديم مواقف لغوية حية يستطيع الدارس من خلالها فهم المفردات والكلمات.

ب‌. إنها أول محاولة لاستخدام الحوار، والسرد القصصي كأساس لتعليم المهارات اللغوية المختلفة.

ت‌. إنها الطريقة التي يعزى إليها فضل شيوع استخدام الوسائل التعليمية في تعليم اللغات الأجنبية.

ث‌. إنها أول طريقة تدريس تستند إلى نظرية لغوية علمية إذ إنها تستند إلى افتراض أن تعلم اللغة الأجنبية يمكن أن يتم بنفس الأسلوب الذى يتعلم به الطفل لغته الأم، الأمر الذى أدى إلى اعتمادها على الاستماع والكلام في تعليم اللغة الأجنبية.

ولم تنج هذه الطريقة من انتقادات معارضيها، ومن بين الانتقادات الموجهة إليها ما يلي:

1. تهتم هذه الطريقة بمهارة الكلام على حساب المهارات اللغوية الأخرى.

2. عندما لا تستخدم هذه الطريقة اللغة الأم في تعليم اللغة الأجنبية، فإن كثيرا من الجهد يبذل وكثيرا من الوقت يضيع. ولو استخدمت هذه الطريقة اللغة الأم  بشكل محدود لتوفر كثير من الجهد وكثير من الوقت، الأمر الذي أدى إلى اتهام بأنها أبعد الطرق عن كونها مباشرة.

3. إنَّ استبعاد هذه الطريقة للأحكام النحوية من التعليم يحرم المتعلم من إدراك ماهية القوالب النحوية التي تنتظم فيها كلمات اللغة لتكوين الجمل.

4. إنها تسمح للطلاب بحرية الكلام والتعبير في مواقف غير مخططة أحيانا مما يترتب عليه انطلاق غير محمود. ومن ذلك أن يخلط الطالب بين لغته الأولي واللغة الثانية فينسج تراكيبه اللغوية المألوفة في لغته بمفردات من اللغة الجديدة.

5. إن استخدام هذه الطريقة قاصر على المراحل الأولي لأنها غير فعالة إذا ما استخدمت لتعليم اللغة في المراحل المتقدمة.

6. ليس كل معلم يستطيع استخدامها، إذ لا بد له أن يكون ذا ثروة لغوية فائقة في اللغة الجديدة.

7. إن إغفال هذه الطريقة لمبدأ الترجمة سبب من أسباب عدم الاتصال بالتراث، وعدم قدرة الطالب على ترجمة آداب الشعوب ونقل ثقافتها.

ت‌. الطريقة السمعية الشفوية:

ظهرت هذه الطريقة ردا على طريقة النحو والترجمة والطريقة المباشرة معاً في جانب، واستجابة لاهتمام متزايد بتعلم اللغات الأجنبية في أمريكا في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي في جانب آخر. وكان هذا الاهتمام بتعلم اللغات الأجنبية ينتج من سياسة أمريكا في متابعة ما جرى في العالم من التطورات سواء كانت في المجال العلمي أم في المجال العسكري. فقد أدى ذلك إلى ضرورة إعادة النظر إلى أساليب تعليم اللغة الأجنبية وتعلمها التي كانت لا تزال متأثرة بطريقة النحو والترجمة والطريقة المباشرة. ثم أجريت العديد من الدراسات اللغوية التي انتهت إلى ظهور نظرات جديدة نحو اللغة منها: أن اللغة كلام وليست كتابة، وأنها مجموعة من العادات، وأنها ما يمارسها أهلها وليست ما يظن أنه ينبغي أن يمارس. ويترتب على هذه المبادئ الجديدة ظهور طريقة جديدة في مجال تعليم اللغات الأجنبية وهي ما يسمى بالطريقة السمعية الشفوية.  

من أهم افتراضات هذه الطريقة ومبادئها التدريسية ما يلي:

1. اللغة أساسًا كلام، أما الكتابة فهي تمثيل جزئي للكلام. ولذلك يجب أن ينصب الاهتمام في تعليم اللغات الأجنبية على الكلام، وليس على القراءة والكتابة.

2. يجب أن يسير تعليم اللغة الأجنبية بموجب تسلسل معين هو: الاستماع، ثم الكلام، ثم القراءة، ثم الكتابة. وهذا يعني أن يستمع المتعلم أولا، ثم يقول ما استمع إليه، ثم يقرأ ما قال، ثم يكتب عما قرأ.

3. طريقة تعلم اللغة الأجنبية تماثل طريقة اكتساب الطفل لغته الأم. فهو يستمع أولا، ثم يحاكي ما استمع إليه، ثم يذهب إلى المدرسة ليتعلم القراءة ثم الكتابة.

4. أفضل طريقة لاكتساب اللغة الأجنبية هي تكوين العادات اللغوية عن طريق المران على القوالب.

5. إن ما يحتاج إليه المتعلم هو تعلم اللغة الأجنبية، وليس التعلم عنها. وهذا يعنى أنه بحاجة إلى التمرن على نطقها، لا إلى معرفة قوانينها وتحليلاتها اللغوية.

6. الترجمة تضر تعلم اللغة الأجنبية، ولا داعي لاستخدامها.

7. أفضل مدرس للغة الأجنبية هو الناطق الأصلي المدرَّب.

من مزايا هذه الطريقة:

1. إنها تنطلق من تصور صحيح للغة ووظيفتها كوسيلة للاتصال بين الناس.

2. إن الترتيب الذى يتم به تدريس المهارات اللغوية الأربع استماع فكلام فقراءة فكتابة ترتيب يتفق مع الطريقة التي يتعلم بها الإنسان لغته الأولي.

3. تشبع هذه الطريقة  كثيرا من الحاجات النفسية عند الدارسين من حيث تمكينهم من استخدام اللغة وتوظيفها.

لقد واجهت هذه الطريقة انتقادات أهمها ما يلي:

1. إنَّها تركز على الكلام على حساب المهارات اللغوية الأخرى التي لاتقل أهمية عن الكلام. والكلام ليس الشكل الوحيد للغة.

2. إنَّ ترتيب المهارات من استماع إلى كلام إلى قراءة إلى كتابة ليس ترتيبا قطعيًا ملزمًا، إذ يمكن تعليم هذه المهارات أو بعضها في وقت واحد وليس بالضرورة على وجه تتابعي.

3. اكتساب اللغة الأجنبية يختلف اختلافًا جوهريًا عن اكتساب اللغة الأم. فعند اكتساب اللغة الأم يكون الطفل مرتبطًا عاطفيًا بوالديه وأسرته، ويكون بحاجة إلى اللغة ليعبر عن حاجاته الأساسية وعواطفه وأفكاره. وعند اكتساب اللغة الأجنبية لا يكون لدى المتعلم ارتباط عاطفي قوي بالمعلم، كما لا تكون لديه نفس الحاجة إلى تعلم اللغة الأجنبية حيث تكون لديه لغة أخرى يعبر بها عن عواطفه وأفكاره.

4. اكتساب اللغة الأجنبية بالتكرار ممكن، ولكن هذا الاكتساب يكون أسرع لو رافق التكرار إدراك لماهية اللغة وماهية تراكيبها وعلاقاتها. وهذا ما يجعل للأحكام النحوية دورا تلعبه.

5. من الممكن استخدام الترجمة في تعليم اللغة الأجنبية بطريق حكيمة تفيد المتعلم وتوفر الوقت والجهد للمعلم والمتعلم على حد سواء.

6. ليس صحيحا أن الناطق الأصلي هو أفضل معلم للغة الأجنبية، لأنه غالبا ما لا يدرك مشكلات الطلاب مع اللغة التي يتعلمونها ولا يستطيع التنبؤ بأخطائهم ولا تفسيرها، ومرد ذلك إلى أنه لم يمر بتجربة تعلم اللغة التي يعلمها بوصفها لغة أجنبية.

ث‌. الطريقة الانتقائية:

ظهرت هذه الطريقة ردًّا على طريقة القواعد والترجمة والطريقة المباشرة والطريقة السمعية الشفوية معًا ومحاولة الاستفادة من هذه الطرق الثلاث في نفس الوقت. ويرى أنصار هذه الطريقة أنَّ نجاح عملية تدريس اللغة الأجنبية وفعاليتها لن يتحقق بطريقة تدريس واحدة وإنما بعدة طرق ينتقى منها ما يناسب المتعلم ومواقف تعليمية يجد نفسه فيها.

ومن الافتراضات الكامنة وراء الطريقة الانتقائية هي:

1. كل طريقة في التدريس لها محاسنها ويمكن الاستفادة منها في تدريس اللغة الأجنبية.

2. لا توجد طريقة مثالية تمامًا، أو خاطئة تمامًا، ولكل طريقة مزايا وعيوب وحجج لها وحجج عليها.

3. من الممكن النظر إلى الطرق الثلاث السابقة على أساس أن بعضها يكمل البعض الآخر بدلاً من النظر إليها على أساس أنها متعارضة أو متناقضة.

4. لا توجد طريقة تدريس واحدة تناسب جميع الأهداف وجميع الطلاب وجميع المعلمين وجميع أنواع برامج تدريس اللغات الأجنبية.

5. المهم في التدريس التركيز على المتعلم وحاجاته، وليس الولاء لطريقة تدريس معينة على حساب حاجات المتعلم.

6. على المعلم أن يشعر أنه حر في استخدام الأساليب التي تناسب  طلابه بغض النظر عن انتماء الأساليب لطرق تدريس مختلفة. إذ من الممكن أن يختار المعلم من كل طريقة الأسلوب أو الأساليب التي تناسب حاجات طلابه وتناسب الموقف التعليمي التعلمي الذى  يجد المعلم نفسه فيه([6]).

ثالثا: أمور مهمة في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها

من الأمور المهمة لمعلم اللغة العربية للناطقين بغيرها ما يلي:

  1. استحضار النية والإخلاص لله تعالى في بداية هذا العمل، لينال ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، ولا شك أن تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها إذا صاحبته النية الصادقة كان من أحب الأعمال إلى الله تعالى وأعظمها أجراً.أنَّ من الأفضل – بل من المهمِّ – أن يكون المعلِّم على علمٍ ببعْض طرُق تعليم اللُّغة العربية للنَّاطقين بغيرها، وقد مرّ بيانها.

3- لا بد أن نأخذ في الاعتبار عند وضع منهج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها واختيار المواد المطلوبة ونوعيتها، أهداف هؤلاء المتعلمين وأغراضهم من تعلم هذه اللغة، و نوعية اللغة التي تقدم لهم وحدودها وخواصها وصيغها ومفرداتها وتراكيبها يجب أن تكون ملائمة لأوضاعهم الثقافية ومحققة لأهدافهم من تعلمها.

4- أن يكون معلِّم للُّغة العربيَّة للنَّاطقين بغيرها على علْمٍ بالمراحل التي يمرُّ بِها الطالبُ من المستوى المبتدئ للوصول به إلى أفْضل مستوى ممكن، وفي هذا السياق تأتي مؤشِّرات الكفاءة التي وضَعَها المجلس الأمريكي لتعليم اللغات الأجنبية (ACTFL) سنة (1986م)، والتي روجعتْ (1999م) كواحدةٍ من أهمِّ المؤشرات في هذا المجال، وهذه المؤشرات تقسِّم الطلاب إلى مستويات: المبتدئ (المنخفض والمتوسط والعالي)، والمتوسط (المنخفض والمتوسط والعالي)، والمتقدم، والمتقدم العالي، والمتفوِّق، والأخير هو أعلى درجةٍ يصِل إليْها الطالب، ثم تقوم مؤشِّرات الكفاءة هذه بتوْزيع المهارات الأربعة: (الكتابة والقِراءة والاستِماع والمحادثة) على هذه المستويات، من حيث درجةُ استيعاب الطالب وفهمه وتَمكُّنه، وماذا يستطيع المعلم أن يقدم في كل مرحلة من هذه المراحل، مع ملاحظة أنَّ هذه المؤشرات تفترض أنَّ جميع هذه المهارات التي لا بدَّ أن يمرَّ بها الطالب قد دارتْ في بيئة حقيقيَّة بسرعة عادية، واستخدمت لغة قياسيَّة أو شبه قياسيَّة، وقد ارْتضى هذا التقسيمَ كثيرٌ من الجهات والمراكز التعليميَّة، ومن أهمِّ المؤسَّسات التي ارتقت بهذه المؤشَّرات واتَّخذتها عمادَها في هذا المجال وبنَتْ عليْه برنامجها التعليمي كله: “الأكاديمية العربية”.

5- أنَّه ينبغي أن يَختلف الكتاب التَّعليمي لتعْليم العربيَّة لغير الناطقين بها عن الكتاب التعليمي لأبنائِها، والحقيقة أنَّ كثيرًا من المهتمِّين بنشْر اللغة العربية قد أغْفلوا كثيرًا من هذه الفروق الأساسية زمنًا طويلاً، و” كانوا – وما زالوا مع الأسف – يبعثون بالكتُب التي نستعمِلها في مدارسنا العربيَّة إلى البلدان الشقيقة غير العربية، التي تطلب مساعدتَنا في تعليم لغتِنا في مدارسها”، وهذا طبعًا شيء غير صحيح.

6- أن يكون في حسبان معلم اللغة العربية أنَّ إعداد الموادِّ التعليميَّة واختيارها يُعَدان من أصعب الأمور التي تواجه المسؤولين عن البرامج التعليمية بعامَّة؛ وذلك لأنَّ أيًّا من العمليتَين يحتاج لمجموعة من المعايير والضوابط والشروط والمواصفات التي بدونها تصبحان عمليَّتينِ غير علميتين، والكِتاب يعدُّ من أهم الوسائل في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، ومن المفيد أن أذكُر لك الآن بعضَ الكتب التي ستُفيدك – إن شاء الله تعالى -:

  • “أحب العربية”، (أربعة أجزاء)، لمكتب التربية العربي لدول الخليج.”تعلّم العربيَّة”، (جزءان)، د. عبد الرحمن بن إبراهيم الفوزان، الوقف الإسلامي.”تعلّموا العربية” (ثلاثة)، المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة.”تعليم الأجانب اللغة العربية”، معهد تعليم الأجانب اللغة العربيَّة، دمشق.”العربية المعاصرة”، بيتر عبود، مركز دراسات الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، آن آربر، متشجن، الولايات المتحدة الأمريكيَّة.”العربية بين يديك” (ثلاثة أجزاء للطالب، وثلاثة للمعلم، ومعجم)، د. عبد الرحمن بن إبراهيم الفوزان، ومختار الطاهر حسين، ومحمد عبدالخالق محمد فضل، طبعة العربيَّة للجميع، مؤسَّسة الوقف الإسلامي. ويعدُّ كتاب “العربيَّة بين يديك” من أهمِّ الكتُب التي يُمكنك من خلالها ربْط القواعد بتُراثنا اللغوي، وخاصَّةً علومَ القرآن الكريم والسنَّة النبويَّة، ولقد شاهدنا بعضَ الطلاَّب يأتي خصِّيصًا ليتعلَّم العربية من خلال هذا الكتاب، لدرجة أنْ جعلتْه بعض المراكز التعليميَّة في القاهرة مادَّتَها الأساسيَّة للتعليم.”العربية الميسَّرة”، (سبعة كتب) مستويات، بدءًا من التمهيدي، مؤسسة غرناطة للنشْر والتوزيع.”العربية لُغتي”، المنظَّمة الإسلاميَّة للتربية والعلوم والثقافة.ويأتي “الكتاب الأساسي في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها” كواحدٍ من أهمِّ الكتُب التي تفيدك جدًّا، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.”منهج في تعليم اللغة العربية”، داود عطية عبده خيّاط، بيروت، 1963م.”الميسَّر في تعليم اللغة العربية لأبناء الجالية الإسلامية في المهجر”، د. عزيز الحسيني والأستاذ عبدالله بناني، المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة.”النحو العربي المبرمج للأجانب”، عسوفان السلكا.”النحو العربي المبرمج للتَّعليم الذاتي”، د. محمود إسماعيل صيني وآخرون، جامعة الملك سعود، وهو كتاب مهمٌّ لك جدًّا يقوم على فكرة ممتازة.ومن الكتب التي تُفيدك في هذا الموضوع أيضًا: كتاب “اللغات الأجنبيَّة: تعليمُها وتعلُّمها”، لنايف خرما وعلي حجاج، وهو موجود بصيغة (PDF) على الشبكة الدولية (الإنترنت)([7]).

وختاماً أسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه، وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

                          زين بن أحمد اليدالي

                             1/8/1434ﻫ.


([1])  “فقه اللغة وسرّ العربية”: تحقيق مصطفى السقَّا وآخَرين، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2008، ص21.

([2])  “عيون الأخبار”: ابن قتيبة، المؤسسة المصريَّة للتأليف والنشر، 2/ 17.

([3])  “اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم”: تحقيق د. ناصر بن عبد الكريم العقل، مكتبة الرشد، الرياض، 1 / 469.

([4])  “طبقات النحويين واللُّغويين”: أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، الطبعة الثانية، ص 12.

([5])  انظر: “اقتضاء الصراط المستقيم”، مصدر سابق، 1/470.

([6])  طرق تدريس اللغة العربية للناطقين بغيرها، د. نصرالدين إدريس جوهر.

([7])  تعليم العربية لغير الناطقين بها، أ. إبراهيم الشافعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى