مقالات

المختار بن الميداح.. التخصص، الموسوعية، الكاريزما !

روي عن أمنا عائشة رضي عنه أنها قالت: “علموا أولادكم الشعر تعذب ألسنتهم”.

قرأت في الأسابيع الأخيرة لمن كتب أن موسيقانا صنهاجية إفريقية، وكنت كتبت مقالا عن المرحوم المختار بن الميداح، بينت فيه أن أصولها عربية، وقد رأيت أن أنشره مجددا دون تغيير في عنوانه أو محتواه، فهو في شكله القديم كفيل بالرد على ذلك الزعم!

ترجم الحافظ الذهبي في “السير” لإسحاق بن إبراهيم الموصلي، فقال: الإمام الحافظ ذو الفنون، أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن ميمون التميمي الموصلي، الأخباري، صاحب الموسيقى، والشعر الرائق، والتصانيف الأدبية مع الفقه واللغة، وأيام الناس، والبصر بالحديث، وعلو المرتبة، ولد سنة بضع وخمسين ومائة .

ذكرني هذا بما قاله ظاهرة المغرب العربي العلامة المختار بن حامدن في جزء “الأغاني والمغنين” من موسوعته، تحقيق الباحث الموسوعي د. سيد أحمد بن الأمير :أما المختار بن محمد بن اعلي بن محمد بن الميداح، فهو من أبرز رجال قومه اليوم في فن الموسيقى، وله حظ من الثقافة والأدب الروائي، ينظم الشعر ويروي منه الكثير… إلخ.

نشأ المختار بن الميداح في بيئة عالمة، متعددة المواهب والاهتمامات، خصوصا المعرفية منها، وبالأخص الجانب الأدبي، الميدان الوحيد لترويض قرائح الفتيان وتمرين قرائحهم آنذاك .

في هذه البيئة توسع اهتمامه بالشعر والسيرة وأيام العرب، إضافة لباقي العلوم .

بيت أهل الميداح، قديما وحديثا، وإن كانت له عناية ومعايشة للأوتار، ومصاحبة لها ولغيرها من الفنون، تبقى مختلف العلوم حاضرة في اهتماماته، بل لها الأسبقية في الطلب باعتبار أن غيرها ليس إلا تكملة.

يقول فيهم العلامة المختار بن حامدن :

مداح خير الورى أبناء مداحه .. دراس سيرته حفاظ أمداحه

البــــاسطون للاقيهم وجوههم .. جلاب أفراحه طراد أتراحه

والدارسون متون الفقه يقرؤها .. فصيحة نشؤهم من قبل إفصاحه

تغذى الوليدة منهم والـوليد بها .. إما بنص خليل أو بـــــــــشراحه

بيت يعيش جسوم الشعب مالهم .. وفي غنائهم عـــــــيش لأرواحه إلخ

وكذلك بيت أخواله أهل “الببان”، الذين أخذ عنهم الكثير من فنيات الموسيقى، فهم أهل معرفة وأدب وفن، تشتمل مدونتهم الشعرية على روائع القصائد الفصيحة والشعبية .

يقول أحد أعلامهم محمد يحيى بن الببان متوسلا بالإمام ناصر الدين :

يا ناصر الدين يا من فاق مرتبة .. في العلم والدين أهل العلم والدين

ومن أئمة دين المصطفى وهبوا .. له إمامتهم يا ناصر الـــــــــــدين

من قام بـــالعدل حقا في إمامته .. وقام بالعدل في نصر الــمساكين

إني أتيت إليك اليوم مــــلتمسا .. منك الــــــــعناية في كل الأحايين

إذن هو مُعمٌّ ومُخْول في مجالات المعرفة .

ارتباط من يعرفون بـ”الشعار” بالغناء ناتج عن ارتباطهم بالشعر، الذي لازم حياتهم، وعن ارتباط هذا الأخير بالغناء .

يقول د.شوقي ضيف في كتابه “الفن ومذاهبه في الشعر العربي”: نبع الشعر العربي من منابع غنائية موسيقية، وقد بقيت فيه مظاهر الغناء والموسيقى واضحة، ولعل القافية أهم تلك المظاهر، إنها بقية العزف القديم، وإنها تعيد للأذهان تصفيق الأيدي وقرع الطبول ونقر الدفوف …

يقول ابن رشيق في “العمدة”: الغناء حلة الشعر، إن لم يلبسها طويت.

ويقول حسان رضي الله عنه :

تغن بالشعر إن كنت قائله .. إن الغناء لهذا الشعر مضمار

وللمرار الأسدي :

ولو أنني حدوت به ارفأنت .. نعامته وأبصر ما يقول

ولمزرد بن ضرار الذبياني :

زعيم لمن قاذفته بــــــــأوابد .. يغني بها الساري وتحدى الرواحل

قال في “العقد الفريد”: روي عن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه أنه قال يوما للنابغة الجعدي: أسمعني بعض ما عفا الله عنه لك من غنائك، فأسمعه كلمة له، فقال: وإنك لقائلها ! قال : نعم، لطالما غنيت بها خلف جمال الخطاب.

وإذا كان هؤلاء “الشعار” ربطوا غناءهم بآلات موسيقية فليسوا بدعا، فقد نقل الرواة والأخباريون أن الأعشى كانت له آلة موسيقية ينشد عليها أشعاره، وبعد ظهور التلفاز نقل إلينا كيف ينشد الشعراء في بدو الجزيرة والعراق والشام قصائدهم على الربابة.

تجدر الإشارة إلى أن الغناء عده ابن خلدون من الصنائع الخمس الشريفة: التوليد، الكتابة، الغناء، الطب، التعليم.

معايشة المختار للمدونة الشعرية جعلته، وهو الفنان المبدع بالفطرة، يقابل بين الإيقاع الشعري “العروض” والمقامات الموسيقية، حتى أصبح عشاق فنه يطلقون أسماء البحور الشعرية على هذه المقامات، بدل أسمائها الأصلية، مثل: مقام الكامل، ومقام الوافر…

وهو بهذا لا يتجاوز ما كان معروفا عند الموسيقيين العرب القدماء، يقول إسحاق الموصلي في كلامه عن “السناد” ست طرائق: الثقيل الأول وخفيفه، والثقيل الثاني وخفيفه، والرمل وخفيفه، وكذلك عند كلامه عن “النصب”: وكله يخرج من أصل الطويل في العروض.

عدم التجاوز هذا راجع لتأثره – وهو الشاعر والموسيقي – بهذه المدونة وبتاريخ الشعر القديم، وارتباط هذا الأخير بالموسيقى. يقول الفارابي: الموسيقى والشعر يرجعان إلى جنس واحد هو: التأليف والوزن، والمناسبة بين الحركة والسكون.

هذا التناسب هو ما ذكره ابن خلدون عند كلامه عن الموسيقى: وأما العرب فكان لهم أولا فن الشعر، يؤلفون فيه الكلام أجزاء متساوية على تناسب بينها في عدة حروفها المتحركة والساكنة …

إلى أن يقول: ثم تغنى الحُداة منهم بحُداء إبلهم، والفتيان في فضاء خلواتهم، فرجَّعوا الأصوات وترنموا، وكانوا يسمون الترنم بالشعر “غناء”… وإذا كان بالتهليل أو القراءة “تغبيرا” اهـ.

والحُداء (سوق الإبل والغناء لها) فرع من “النصب”، الذي هو أصل الغناء عند العرب، وعنه تفرعت أساليب وطرق غنائهم، واختلفوا في أول من سنه وابتدعه .

قال إسحاق الموصلي: يقال له “المرائي” وهو الغناء “الجنابي”، اشتقه رجل من كلب يقال له جناب بن عبد الله بن هبل فنسب إليه، ومنه كان أصل الحداء، وكله يخرج من أصل الطويل في العروض .

وقيل: مضر بن نزار كما في “تحفة الألباب” لحماد المجلسي:كان يسوق الإبل على بعير، فأفحمه البعير فكسرت يده فحملوه وهو يقول: وايداه وايداه.. وكان حسن الصوت، فلما سمعت الإبل صوته طربت وانعطفت عليه، فمن ذلك اليوم كانت العرب تحدو الإبل على نحو قوله .

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يستنصت الحداة .

وكان حداته صلى الله عليه وسلم كما نقل الرواة: عبد الله بن رواحة، أنجشة، عامر بن الأكوع، رضي الله عنهم وأرضاهم .

روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، وكان عبد الله بن رواحة جيد الحداء وكان مع الرجال، وكان أنجشة مع النساء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن رواحة: (حرك بالقوم) فاندفع يرتجز، فتبعه أنجشة فأعتقت الإبل في السير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أنجشة، رويدك رفقا بالقوارير).

ابن خلدون في نصه ينقل عن ابن رشيق، وابن رشيق يقسم الغناء عند العرب قديما إلى ثلاثة أوجه:

– النصب: غناء الركبان والفتيان، هل يمكن إسقاط هذا على ما يعرف بسيني”آزوازيل”؟

– السناد الثقيل: ذو الترجيع الكثير النغمات والنبرات، هل يمكن إسقاط هذا على “فاغو”؟

– الهزج: الخفيف، الذي يرقص عليه “لشوار”.

– التغبير:كل “الشعار” يبدؤون غناءهم بكلمة التوحيد ومدح أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام، خصوصا تخميس ابن مهيب لعشرينيات الفزازي.

ثم يقول: قال إسحاق: هذا كان غناء العرب حتى جاء الله بالإسلام، وفتحت العراق، وجلب الغناء من فارس والروم، فغنوا الغناء المجزأ المؤلف بالفارسية والرومية، وغنوا جميعا بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير… اهـ.

غير أن العرب، الذين لم يعرفوا التمدن ولا حتى التقري البسيط، وبقوا على عادات الحركة والارتحال، لم تتغير جذريا أنماط حياتهم ولا أساليبهم الترفيهية، وإن طرأ عليها بعض التعديل بسبب ما يفرضه الجوار من التداخل.

هذه البيئة العربية البدوية الخالصة – وخاصة جانب الفروسية منها – في مسيرتها الطويلة من الجزيرة حتى تأسيسها لإماراتها ومشيخاتها في الغرب الإسلامي، هي التي لونت طبيعة الإنتاج الشعري وفن الغناء وآلاته عند هؤلاء “الشعار”، حتى استقر حالها على ما نحن عليه الآن .

ولا عبرة بالبحث عن أصول “آردين” و”التديدنيت”، والمقارنة بينهما مع “العود” وغيره من الآلات الشرقية، لأن الإنسان يكيف حاجاته مهما كانت مع ما هو موجود .

ويكفينا مثالا تكييف آلة “الأورج” وغيرها من طرف هؤلاء لتعطيهم نفس أصوات ونغمات “آردين” و”التيدنيت” إلى حد التماهي .

كما يجب أن لا نغيب أن للعود والبربط وغيرهما من الآلات أصولها أيضا، إذا استحضرنا قصة الأعرابي، في كتاب “الأغاني”، الذي دهش لرؤية البربط لأول مرة، فقال :رأيت ضاربا خرج فجاء بخشبة عيناها في صدرها، فيها خيوط أربعة، فاستخرج من خلالها عودا فوضعه خلف أذنه، ثم عرك آذانها وحركها بخشبة في يده فنطقت ورب الكعبة… إلى أن يقول: فجلست بين يديه، فقلت: بأبي أنت وأمي، من هذه الدابة، فلست أعرفها للأعراب، وما أراها خلقت إلا قريبا؟ فقال: هذا البربط…إلخ .

تصنيف الآلات الموسيقية على أنها لجنس من البشر مخصوص لا يمكن تسليمه ببساطة، لأن هذه الآلات قد تكون مرت بعدة حضارات وثقافات قبل أن تستقر في أيدي جماعات معينة، وقد تتشابه عن قصد أو دون قصد، مثل “آردين” و”التيدنيت” الموريتانيين مع الآلات الفرعونية.

وللذين يتوقفون عند المسميات: “مغجوكه، تنجوكه، منجله”، عليهم أن يتوقفوا أيضا عند المقامات العربية التسع، فالعجمة فيها أكثر :الرست، نهاوند، نوا أثر، الدوكاه، بياتي، كرد، حجاز، صبا، سيكاه، عجم .

وتحت كل واحد من هؤلاء مسميات أكثر عجمة، وتشاركهم في هذه المقامات فارس والترك.

المقامات التسع الموريتانية :

كر، سيني، فاغو، التحرار، ازراگ، لكحال، لبياظ، بيكي .

وما تحت كل واحد من هذه المقامات سواء أعجمي أو عربي، يحمل اسما لواقعة أو معركة أو ملحمة كبرى تخليدا لها وتنويها بقائدها، وعليه فأحداث المعركة ومكانها هما ما يحدد لغة التسمية .

هذه الموسيقى كما سبق وأشرنا تختص بالفروسية والفرسان، وتتمدد وتتوسع حسب نشاط هؤلاء ولا “نَتَشَاركها” مع أي حضارة أو ثقافة .

تصنيف “الهول” أو النوبة أو الفن الموريتاني في السلم الخماسي الطبيعي، الذي يقول المختصون: إنه إسقاط الدرجتين الرابعة والسابعة من درجات السلم السباعي الطبيعي، تصنيف وصفي، المقصد منه التقريب لأذهان من لهم نصيب من الثقافة الموسيقية لا غير.

الهول الموريتاني له سلمه الخاص، الخارج عن التسمية والاصطلاح المتعارف عليهما موسيقيا، وإن تقارب أداء بعض الأسر مع ما هو مذكور، والذي يميل إلى خفض الصوت، وعند بعضهم إلى السلم السباعي الطبيعي الذي انتفت منه الدرجتان الثالثة والسادسة، والذي يميل إلى رفع الصوت “نغمة ري”، وهو ما نراه من تمايز أداء كل منهما عن الآخر، فهذا لا يثبت نسبة ولا يقرر قاعدة .

الموسيقى المتداولة عند هؤلاء “الشعار”، موسيقى مستقلة لها شخصيتها، وهي غنية جدا وثرية ومحكمة بقواعد وضوابط قد تتقاطع أحيانا مع بعض “السلالم”، لكنها تبقى مرتجلة أداء، وغير “منوتة” كتابة، والذين حاولوا وضع نوتة لها من أصحاب الاختصاص وجدوها أقرب إلى مقام الرصد، ذي الجذور الشرقية “الراست”، وهو مقام – ينسب للسلم الخماسي على وجه التقريب، انتشر في الأندلس و”المغرب الكبير”، خصوصا عند “الكناوه”، وله انتشار واسع في إفريقيا الشرقية وآسيا والبلقان وأمريكا، وعليه وضع النشيد الوطني الأسكتلندي.

وما دام المختار وغيره من أصحاب الاختصاص، يجهلون نسبة بعض الألحان لواضعيها على وجه التحديد ويكتفون بالقول: قديم أو زمني، وهم علماء مبرزون مبدعون، توارثوه عن علماء أكثر اختصاصا وتمكنا، وَرَّثُوهم نفس التعبير: “قديم، زمني”… تبقى القاعدة: أن هذا الفن مرتجل وقديم، مستقل بشخصيته وألحانه وسلمه الخاص، وليس منحولا ولا فرعا عن أصل أو قاعدة، وأن المشرفين عليه عندهم ملكة فريدة جبلوا عليها، وراثة تمكنهم من تنويعه والإضافة والزيادة فيه، كل حسب رغبة داخلية فرضتها عليه مناسبة أو حادثة تخصه أو تخص محيطه.

وليس له علاقة من قريب أو بعيد بالدولة “المرابطية”؛ لأنه من إنتاج مرافقة الفروسية والفرسان، كما تدل على ذلك مناسباته وانتماءات المشرفين عليه وحواضنهم الاجتماعية.

وقولهم :”قديم، زمني” أمر طبيعي؛ لأن قاعدة الفلكلور التي اتفق عليها الباحثون: أن يكون مجهول المؤلف – متوارثا جيلا عن جيل، عامي اللهجة، يتناقل بالرواية الشفهية .

وللتوضيح أكثر؛ فإن اختلاف التسمية في “الشور” الواحد: (الكرس – اليزيد)، (أشويهد لكتري – تيمجيجه) نفس الشيء في تعدد شواهد لشوار : (أنترش – كتفو)، كلها تدل على قِدَمِ هذه الموسيقى، وأن الجديد أو المتجدد هو توظيفها حسب الظرف والمناسبة .

لما عزم المختار على تكملة “لگنيدية”، وهو إنجاز منقطع النظير على مستوى الموسيقى الموريتانية، لم يرجع إلى مخطوط ولا إلى وثائق مكتوبة، ولا إلى منهج معروف متبع عند من سبقوه، مثله في ذلك مثل غيره من الشعار المبدعين، وإنما رجع إلى “شاعرين” متقدمين عليه في السن، لهما شهرتهما وتمكنهما: محمد ولد اكليب، ومحمد ولد انگذي، وتشاور معهما وعرض عليهما إنجازه، فاستحسناه وانبهرا به وأجازاه، وعرفت تلك السنة بعام “لگنيديه”.

ولم تكن تكملة “لگنيدية” إضافته الإبداعية الوحيدة، بل يضاف لها: “تكمكي سيني”، “المصري، “برم المختار”، “لمهيقه”، “شقاب لمهار”، “المتقارب”… وغيرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى